لم أكن مجنونا فقط

أين العصير؟

أريد العصير…

لم أعر هذا الصوت انتباهي متعمدا

حتى تقيدت حركتي

نظرت لقدماي

واذا بملاك صغيره تمسك بهما

انحنيت وحملتها

وعدت ادراجي للحديقه واجلستها فوق الطاوله

بدأت انظر في عيناها وهي كذلك تنظر في عيناي

بدت عيناها وكأنهما بوابة للجنه

ماإن ارتسمت ابتسامه على شفتاها

حتى بدأ جسدي بالارتعاش

وكأن الدنيا تهتز وتتحطم امامي

فقد رايتها في المستشفى بعد تلك الحادثة
بعدما كنت انظر لجسدها وهي تستنجد طلبا للحياة

الطفلة لاتزال تبتسم

مدت يدها ووضعتها على رأسي

وأغمضت عيناها

أين العصير أيها الشبح؟

سألتني وانا مازلت في حالة لاأعرف كيف أصفها

التفت للنادل وطلبت العصير

ماإن وضعه على الطاولة

حتى قالت لي الآن دورك

أغمض عيناك

أغمضتهما وكأني لاأملك من أمري شيئا

أصبح الوقت يمر ببطء وانا هكذا

فلم تتكلم او تلمسني وانا بهذه الحالة

فتحت عيناي

ولكني لم أر الطفله فقد اختفت

بينما كوب العصير مازال على الطاوله كما وضعه النادل

ايقنت ان نوبات الخيال لم تبتعد عني طويلا

فما حدث لايعدو كونه احد نوباتي الذهانية

فلا يوجد طفله ويبدو اني طلبت العصير عندما تخيلتها امامي تريد عصيرا

اخذت نفسا عميقا

لم اكمل قهوتي وانما طلبت النادل ان يحضر لادفع له ثمن القهوه والعصير

ابتسم النادل وقال ان ثمن القهوه والعصير قد تم دفعه

سألته وكيف ذلك؟

يبدو انك كنت مغمضا عيناك..

عندما حضرت تلك الآنسه ودفعت الحساب وذهبت

رميت بنفسي على الكرسي.. فقد كان كلام النادل

يصيبني بالجنون

فقد كانت الطفلة أمامي على الطاولة حيث وضعتها وطلبت لها عصيرا كما أرادت

فهو لم ير الطفله

وأنا لم أري الفتاة

وكأني أسير على خيط رفيع بين الجنون… والجنون

اشعر اني في دوامه جارفه تسحبني لعالمي المظلم

بالبدء كنت انا من صنع وهم تلك الفاتنة

ثم تفاجئت بوجود اكثر من شخصية لفتاه

بينما لم تظهر الطفله فترة طويله او هكذا أظن

وظهرت منذ قليل

إن لم أكن أصبت بالجنون

فبينما كانت تشير لي من بعيد على فاتنتي

اصبحت هي من يحاول اقتحام عالمي الافتراضي

اثناء حديثي الداخلي مع نفسي

وسباحتي عكس تيار الاوهام الجارفه

احضر النادل فنجان قهوه ووضعه امامي

صرخت في وجهه..

من قال لك اني اريد قهوه؟

اشار الى الطرف الآخر من الحديقه

نظرت .. ولم اتبين من يقصد

بينما هو يشير واذا برجل يبدو انه في العقد السادس من عمره يلوح بيده ناحيتي

طلبت من النادل ان يرسل له شكري وقبولي لضايفته بفنجان القهوه

عاد النادل وقال ان الرجل يريد الحديث معي

نهضت وذهبت اليه فقام وصافحني وطلب مني الجلوس معه

سألته.. هل تعرفني؟

قال كل المعرفه

سألته باستغراب ولكني لاأعرفك ولم ألتقي بك من قبل

قال اتفهم نسيانك فمقابلتنا الوحيده تمت بسرعه قبل خمس سنوات

عندما حضرت الى عيادتي.. هل تذكر اللوحه؟

اطرقت برأسي الى السماء محاولا ان اتذكر

ولكني لم اتذكره

قال لي.. لننه قهوتنا وسأصطحبك لمكان ستتذكر فيه كل شيء

بعد ان انهينا قهوتنا .. قال لي سنذهب بسيارتي وسأرجعك الى هنا بعد ان اجعلك ترى مكانا تستطيع فيه ان تتذكر بعض الامور ان لم يكن كلها

قلت حسنا.. ففضولي وبعض الخوف بداخلي يدفعانني ان اقبل ماتريد

بعد مسافه ليست بالبعيده جدا

وقف عند بوابه كبيره سرعان ماتقدم شخص يلبس زي موظف أمن وفتح البوابه ودخلنا بالسياره

نزلنا بعد ان ركنها امام المدخل الرئيسي للمكان

ومشى امامي.. واثناء سيرنا في ممرات هذا المكان عرفت انه مستشفى!

احضرني لاحد الغرف.. يوجد بها سرير ابيض وساعة حائط وبعض المعدات الطبيه بجانب السرير

قال هل تذكر هذه الغرفه؟

قلت لا

قال امعن النظر

هل ترى اللوحه على الحائط بجانب الساعه؟

وقفت امام اللوحه انظر اليها.. كانت عباره عن لوحه جميله مرسومه لمكان يبدو انه مقهى مزدحم..

قال.. اتذكر شيئا الآن؟

قلت لا.. ماذا تريد بالضبط؟ يبدو انك تقصد شخصا اخر يشبهني

نادى على احد الممرضات

عندما حضرت لم اتمالك نفسي ووقعت على الارض

صحوت.. من غيبوبتي .. وكان اول مارأيته ابتسامة تلك الجميله

اردت النهوض ولم استطع

قالت .. لابد ان ترتاح فأنت في حاله ارهاق شديد

اجهشت بالبكاء

لاأعلم كيف ومالذي حدث

أذكر مقهى الحديقه والرجل السبعيني عندما احضرني هنا

ولكن هذا المشهد قد عايشته من قبل

لقد كنت هنا

وهناك

حملتني الممرضه واحد المساعدين واجلسوني على كرسي متحرك

قال لها الطبيب الذي هو الرجل السبعيني

ساعه واحده فقط؟

دفعتي بالكرسي الى حديقة المستشفى

قلت لها.. اعلم ماسيحدث

ستجلسيني مقابل احدى المريضات على كراسينا المتحركه

وستأخذيني في جوله الى مقهى خارج المستشفى

وستلبسين أجمل مايليق بك

صمتت.. وانا ايضا صمت

اجلستني كما توقعت امام تلك المريضه الجميله

ثم عادت بي الى الغرفه

ورأيت اللوحه تتحرك شخوصها

ونهضت من سريري صارخا اريد الممرضه

وقفت على قدماي

وجلست على احد الكراسي في الغرفه انتظارا للممرضه

التي حضرت ومعها الطبيب وممرضه اخرى تدفع المريضه الجميله على كرسيها المتحرك

اثناء مراقبتي لهذه الشخصيات وهي تدخل لم استطع ان اقول شيئا

بقيت صامتا في حالة ذهول على الكرسي..

وقفت تلك المريضة الجميله من على كرسيها المتحرك.. وسحبت كرسيا وجلست بجانبي..

تفاجأت أن احدى الجميلات تقدم لي فنجان قهوه وبيدها فنجان قهوه وبجانب الطفلة الصغيره كوب من العصير

ماذا أرى؟!

اني في حالة ذهول..

كل هذه الشخصيات التي عايشتها طيلة سنوات اجتمعت أمامي..

كلهم ينظرون إلي

والطبيب يضحك بحالة هستيرية

واخذت الجميع نوبة ضحك هستيري وهم ينظرون إلي

الا الطفله..

نظرت لي نظرة وكأنها تواسيني .. أمسكت بيدي وقالت لنخرج من هنا..

قلت من.. قالت لاتكمل.. لاتتكلم.. لنخرج بصمت

ولكنهم لن يسمحوا لنا بالخروح..

لاتتكلم ارجوك ..

سنوات وأنا أسير خلفك وأمامك محاولة ان لا تقع في هذا الموقف..

ولكن..

انتظر انتظر.. قلت لاتتكلم..

سنجلس في مكان وسنتحدث عن كل شيء..

نظرت إلي مبتسمه وانا ممسكا يدها

وخرجنا..

كان المكان مظلما.. اصدمت بجدار او هكذا ظننت..

تلمست طريقي بجانب الجدار اسير بحذر..

سقطت في بركة ماء.. وبدأت الارض تسحبني للاسفل..

اخذت استغيث..

واذا بالانوار تضيء.. وتجري إلي تلك الممرضه الجميله..

لاتخف هديء من روعك.. يبدو انه كابوس حلمت به..

سأعطيك بعض المهدئات..

حاول ان تنام..

قلت لها .. ولكن الطفله .. الطف.. الط.. وذهبت في سبات عميق.

صحوت بعدها على صراخ مفجع .. قفزت من سريري ..

اريد ان أتبين من التي تصرخ.. وما إذا استطيع نجدتها..

وقعت على الارض واخذت أزحف..

وصلت الباب واذا بممرضتي الجميله تسيل منها الدماء وبجانبها الطفله..

تلك الطفله..

تحمل بيدها سكينا وتطعنها بعنف..

لم أتحمل عجزي بوقف الطفله عن الاستمرار بجريمتها الشنعاء..

أردت الصراخ بأن تتوقف ولم استطع..

فقدت القدره على الكلام..

والممرضه مضرجه بدماءها مستلقية على ظهرها ووجهها ينظر ناحيتي وانا ازحف تجاهها بصعوبة..

سحبتها الطفله من شعرها بعيدا عني..

كيف لها هذه القوه..

والممرضه المسكينه بدأت حركة جسدها تتباطأ ..

بعد أن كانت تصرخ وهي تنتفض بجسدها وساقيها ويداها بكل قوتها طالبة للنجدة

حتى هدأ كل شيء..

وخرت بلا حركة..

ووجهها ناحيتي وعيناها تنظران تماما الى عيناي..

والطفلة تمسح السكين بمنديل..

اقتربت مني.. ووضعت السكين في يدي..

لم أستطع مقاومتها..

أخذت تصرخ.. لقد قتلها لقد قتلها..

حضر الجميع.. الطبيب والمريضه الجميلة ذات الكرسي المدولب وممرضتها..

والطفله بينهم تشير إلي..

قتلها بدم بارد.. لم يأبه بصراخها ولا بمحاولاتي ثنيه عن فعتله..

إنه قاتل مجرم.. لقد رأيته يقطع جسدها بهذا السكين..

ثم.. تقدمت نحوي وجلست على ركبتيها وحنت رأسها عند أذني وانا مستلقي على الارض..

قالت لاتخف.. سأخرجك من هنا.. كن مطيعا ولاتتكلم..

ابتعدت قليلا.. واشارت للجميع فتحلقوا حولها..

لاأعلم ماذا قالت لهم.. ولكنهم سحبوا جسد الممرضه بعيدا وقام أحد العمال الذي يشبه تماما النادل في مقهى الحديقة.. ونظف الارض من آثار الدماء.. ثم حملني وأجلسني على كرسي متحرك.. واخذ يدفعني خارج المستشفى والطفلة تسير بجانبي..

ثم قال لي قف على قدميك..

أطعته ووقفت.. إني استطيع الوقوف ولست عاجزا!

قال لي امامك خمس دقائق حتى تختفي من أمام ناظري..

نظرت للطفلة والتي كأن الحديث موجه لها.. حسنا حسنا..

سنختفي..

أمسكت بيدي ومشينا.. ثم قالت لنعدو سريعا..

فأخذنا نعدو بكل طاقتنا وكأن أحدا يطاردنا..

جبنا شوارع ضيقه وقفزنا من فوق أسوار ليست عالية..

عبرنا نهرا سباحة.. أنا لا أعرف السباحة ولكني سبحت بجانب الطفلة حتى عبرنا النهر..

دخلنا أحد المحلات المقابلة للنهر.. اختارت ملابسا جديده لي ولها .. ولا أعلم كيف دفعت ثمنها..

أمسكت بيدي وعبرنا للشارع المقابل.. والذي يقابله مقهى كبير مزدحم..

قالت لي سنجلس هنا.. لا أحد سيعرفنا وسط هذا الزحام..

جلسنا على كرسيين بجانب بعضهما مقابل طاولة تكفي لشخصين

كل هذه الأحداث المتسارعه وانا صامت..

لا أكاد أستوعب ماحدث ويحدث.. وبدأت أشعر بالرعب مما سيحدث

أتى النادل.. إني أعرفه.. انه ذات الشخص الذي مسح دماء الممرضة من أرضية ممر المستشفى

والذي قال لي يجب ان تختفي من ناظري خلال خمسة دقائق..

أحضر فنجانان من القهوة.. وكوب عصير

من طلب منك ذلك؟ سألته والخوف يدب في أوصالي

وضع القهوة والعصير على الطاولة وذهب دون ان يرد على سؤالي..

أخذت الطفلة فنجان القهوة.. وارتشفت منه..

قلت انتي طفلة لايجب ان تشربي القهوة..

كوب العصير أمامك.. اشربيه..

لم انظر إليها.. كيف لي أن أنصح طفلة مجرمة قتلت نفسا بريئة .. وكأني أخاف على براءتها وصحتها من القهوة!

مدت يدها وأخذت فنجاني ووضعته أمام شفاهي..

إلتفت إليها.. وإذا من يضع فنجان القهوة أمام فمي ليس سوى الممرضة التي قتلتها الطفلة أمامي منذ قليل..

وقفت فزعا..

مالذي يحدث؟

من أنتي؟

أين الطفلة؟

قالت ستحضر الطفلة..

خمسة عشر عاما ونحن على هذا الحال.. أيها الشبح

نظرت إليها بتفحص.. أملت كرسيي ناحيتها وفعلت هي مثلي حتى أصبحنا متقابلين..

أنتي؟

ولكن….

قاطعتني وقالت.. أرجوك..

ستقول انتي رفيقة القهوة ولست الممرضة..

وتريد ان أحكي لك قصة الطفلة وكوب العصير.. أليس كذلك؟

رفعت رأسي أنظر للسماء..

فأحسست بدموعي على خدي..

ولكنه المطر..

إنها تمطر وليست دموعا..

قام كل من في ساحة المقهى الى الداخل..

لم أرغب ان أتحرك من مكاني..

فأنا أحب المطر..

أسمع ضربات على زجاج المقهى من الداخل..

كان الجميع ينظرون الي ويلوحون بأيديهم ان أدخل اتقاء للمطر..

ولكني سحبت الكرسي مقابلي ومددت ساقاي عليه.. ووجهي الى السماء.. والمطر ينهمر علي..

اشعر بالنشوة في هذا الجو الممطر الجميل..

حضرت احدى الفتيات الجميلات ناحيتي وهي تحمل مظله تتقي بها المطر.. قالت بلغة اجنبية متوسلة اياي أن ادخل للداخل..

أطعتها ودخلت معها.. كان المكان في الداخل مزدحما جدا..

كان الجميع ينظر الي.. الى هذا المجنون الذي يحب أن يبتل تحت المطر..

توقف المطر.. وخرج الجميع.. أردت الخروج ولكنها أمسكت بيدي وقالت أرجوك لاتخرج الآن فأنت مبتل وستصاب بالزكام لو خرجت..

انتظرني هنا.. لاتخرج حتى أرجع إليك..

لاأعرفها ولا أعلم لما كل هذا الاهتمام بي..

انتظرتها قرابة النصف ساعة..

حضرت ومعها قميص جديد وبنطال.. قالت ادخل ادارة المقهى وبدل ملابسك..

اطعتها ودخلت وصعقت بأن الملابس كانت مقاسي تماما..

اعطتني مشطا صغيرا وقالت صفف شعرك..

خرجت من حجرة في المقهى وانا في كامل أناقتي..

سحقا.. قضيت عمرا بأكمله اشترى من الملابس ولم يكن ذوقي وأناقتي بهذه الروعه..

وجدتها تجلس على طاوله داخل المقهى جلست قبالتها..

حضرت النادله ووضعت فنجانين من القهوه وكوب عصير امامنا..

هنا..

قلت لها بلغتها.. كم ثمن الملابس؟ ولن أسألك عن القهوه والعصير..

قالت لم أدفع شيئا.. عندما كنت اختار لك الملابس من داخل المحل حضرت آنسه ومعها طفله وقالت لي هل تختارين هذه الملابس لذلك المجنون الذي كان يجلس تحت المطر؟

قلت نعم.. يبدو انه اتى من الصحراء ويحب المطر الذي يفتقده هناك..

قالت ولماذا هذا الشخص تحديدا ترغبين بمساعدته؟

قلت لا أعلم ..

أريد مساعدته فقط ولا أعلم لماذا

قالت لي.. سأدفع ثمن الملابس التي اخترتيها له..

وسأدفع لكما ثمن القهوه بشرط ان تطلبي كوب عصير اضافي وتجعليه بجانبكما دون ان تلمساه..

فوافقت.. فحقيقة لاأحمل مالا وكنت سأقايض الملابس التي اخترتها لك بهذه السلسله الذهبية التي البسها.. وان لم يكفي ثمنها سأعطي خاتمي لصاحب المحل..

ارتشفت قهوتي.. واخذت اختلس النظر لعيني هذه الفاتنه الأجنبية..

تلاقت عينانا فابتسمت.. وابتسمت معها..

قلت الآن اريد بعض الاجابات..

لماذا أنا؟

قالت لم أكن لأهتم بك لولا بكاء الطفله التي كانت تقف بجانبي خلف زجاج المقهى عندما كان الجميع يناديك وينقرون على الزجاج علك تنتبه..

قلت.. الجميع؟!

كيف يهتم بي الجميع.. فطبيعتكم حسب علمي لاتهتمون بالآخرين ..

قالت لقد كان الجميع يهتم بسبب الطفله فقد ظنوا انها اختك الصغيره..

كانت تشير ناحيتك وتبكي بحرقه.. مما أثار اهتمام جميع من كان في الداخل..

قلت حسنا اتفهم ذلك.. ولكن اصرارك ان تضحي بكل ماتملكين من اجل شراء ملابس أنيقه ومكلفه لشخص غريب لاأستوعبه..

قالت انت لست غريبا..

قبل خمسة عشر عاما كان عمري سبعة سنين ..

وكنت أبكي بعد ان تهت عن أمي وسط الزحام

عنما حضرت انت وحملتني واخذت تجول بي وسط الزحام حتى رأتني أمي.. كان ذلك قبل خمسة عشر عاما.. ولم انسى شكلك.. حتى انك لم تكبر ولم تتغير ملامحك..

وضعت يدها على صدرها وسحبت السلسله.. قالت أتذكرها؟

لقد قدمتها لي هدية بعد أن وجدت أمي..

لم انسى تلك اللحظه..

عندما رأيتك تحت المطر.. كان ذلك المشهد يتكرر.. فمنذ خمسة عشر عاما كنت تجلس في نفس هذا المكان وانهمر المطر والتجأنا كلنا في الداخل الا انت.. قد كنت اصرخ اريد من في الداخل ان يحضروك..

أنتبه الجميع لبكائي واخذوا ينادون عليك.. فخرجت أمي وأقنعتك بالدخول..

بعد ان توقف المطر خرجنا كلنا .. فتهت عن والدتي وحملتني انت تبحث عنها حتى وجدوني معك.. ثم كان بجانبنا محل للمجوهرات فاشتريت لي هذه السلسله الذهبية بعد ان عرفت اني من جعلك تحتمي من المطر..

انت لاتذكرني بالتأكيد .. ولكني لم انسى أبدا أنك جمعتني بأمي..

فهاهي الأيام تدور.. وأكون أنا من يجعلك تدخل..

الطفله! الطفله! لقد فعلت مثلي تماما.. فقد كانت تصرخ باكية تريدك ان تدخل مثلما فعلت انا تماما قبل خمسة عشر سنة..

يالغرابة الصدفه..

انتظر.. أكاد .. انت.. كلا .. انت انت .. لا.. لا..

قم.. بسرعه.. الطفله والفتاه لابد أن يكونا قريبتين.. لقد كانوا في ذاك المحل.. واشارت بيدها للشارع المقابل..

نظرت فوجدت طفله تبكي.. قالت هذه هي الطفله انها هي..

انه الحدث يتكرر ..

هي من بكت حتى تدخل مثلي تماما

وهاهي تبكي يبدوا انها تاهت عن امها..

تماما كما حدث معي..

خذ.. خذ هذه السلسله.. افعل مافعلته منذ خمسة عشر عاما ايها الشبح..

ألبسها السلسله بعد ان تجد أمها.. ارجوك.. لاتضيع الوقت..

نهضت وتركتني وحيدا انظر عبر الزجاج للطفله وهي تبكي وحيده..ذهبت إليها وحملتها وجبت بها المكان وسط الزحام.. حتى رأتها أمها وأنا أحملها فشكرتني وقبلتني هي والطفله.. وذهبا..

ركضت خلفهما.. وتوقفا ثم ألبست الطفله السلسله الذهبية..

وقلت.. هذا مقابل ثمن الملابس..

ثم اختفيت وسط الزحام..

وماذا أيضا؟

قالت ذلك وهي ترتشف قهوتها..

لاشيء.. مازلت انتظر أن تمطر السماء..

لعلي أجد الطفلة..

او تلك الفتاه..

انظر إلي.. قالت ذلك وعيناها تنظران لعيناي

حاولت ان انظر ولم استطع..

اصبحت خيالا يتموج امام عيني..

احسست ان رأسي يكاد يكون كالكره

اشعر اني خفيف الوزن وارتفع

بينما جسدي ينضغط بقوه للاسفل

وكأن وحشا يجثم على صدري

لا أستطيع التخلص منه

اشعر بأنفاسه الحارقه على وجهي

لاأستطيع أن افتح عيناي

ولا أن اصرخ

استجمعت قواي وبكل عنف حاولت النهوض

ولم استطع

اشعر بهذا الوحش وهو يقيد يداي وساقاي بقوته

حاولت بكل عنف ولم استطع

شعرت لوهله ان قواي خارت واني سأستسلم

ولكني لم استسلم حاولت بكل قوتي

حتى اختفى من فوق صدري

واصبحت طليقا

رفعت رأسي وانفاسي تلهث..

لقد كان كابوسا قاسيا.. ومرعبا..

اني في كامل وعيي الآن..

ولكن….

ممتع حتى القلق

غدا أجمل .. لن يسوء على الأقل
ولكنني مازلت اتمنى ذلك منذ زمن بعيد جدا
ولكن الجميل لم يحدث .. دونا عن الأجمل.
لا شيء أعايشه واقعا .. ولا حتى معشوقة حقيقية
وان كن كثُر مع كل اغنية او فيلم جديد
يتشنج عقلك او قلبك لا سيان
فما تشعر به ليس من واقع تجارب
بل من وحي ماتحلم به
وان كان الحلم مثيرا للسخرية .. على الأكثر من وجهة نظر من يتربص بأحلامك .. وإن كان مايثيره هو من داخلك العميق في لحظات كثيرة.

أن تجلس القرفصاء في وهم حلم لن يتحقق
يواسيه وهمك أنه سيتحقق
تجلس في الزاوية الأخرى من غرفتك المظلمة ويبدأ السجال مثل كل ليلة على مدار هذه الأعوام التي تسربت من بين يديك
هل تعون كم من عام مضى وانتم هكذا؟
تحدثنا نفسنا الأخرى .. نفسنا التى صنعناها كي تنتشلنا من زحام هذا الحلم اللاواقعي
هي تعلم .. أي أننا نعلم .. أي أنني أعلم .. فما يحادثني ماهو الا أنا .. أو أنا اللذي صنعته

أصاب بالخيبة .. وأحدث نفسي كالمجنون
ففي كل ليلة أخرج من الوهم .. إلى وهم أعمق
ولكنه أجمل
وهم صناعة حياة افتراضية بكل جنون
أعيشها كل لحظة .. ومازلت

عندما أخرج للعلن .. وأجالس من ألتقي بهم رغما عني
أجدني غريبا عن هذا العالم .. فأنا أعايش عالمين متوازيين متزامنين
عندما يستعر النقاش على شيء ما مع جلسائي .. أنفجر
ليس لعجزي عن تبيان ما أريد أو أن أدحض وجهة نظر ما
ولكني اتفجر غاضبا بسبب مزاحمة عالمي الواقعي لعالمي الافتراضي
اغضب لأن الواقع انتشلني من الوهم الذي أحبه
سرعان ما أبدأ بطقوس العودة لتلك الحياة الحالمة
وأصنع شخصية جديدة أخرى فأصاب بالتشتت من معايشة هذه الشخصيات مثل كل مره أضيف روح جديدة علها تضيء لي شيئا ما في هذا النفق الذي أحبس نفسي فيه
رغما عني .. بل بإرادتي .. بل رغما عني .. أو هو بإرادتي .. أيا كان .. فأنا حبيس في سجن كبير جدا .. جميل حالم .. منتشل لضعفي من واقعي
ولكنني أرغب بالخروج منه .. أريد أن أعايش الواقع بكل جماله إن وجد وبكل احباطاته .. أريد أن أختلط بمن حولي أريد أن أسدل الستار على هذا الوهم الجميل .. الجميل جدا
ماذا يحدث في هذا العالم الواقعي؟
لا أعلم
كيف يعيش الناس واقعهم بدون أحلام؟
لا أعلم

اعيش في هذه الدوامة كل ليلة .. ولا تستقر نفسي الا بتعاطي الدواء المنوم .. اطفيء عقلي واسدل الظلام
ولكني أستيقظ وفي كل مرة أجدني صحوت على حلم جديد .. حلم يمثل امتداد احلامي في كل يوم على مدار سنوات
حتى اصبح حلمي كبيرا جدا .. لا استطيع أن أحدد بدايته وحتى نهايته

ولكنه ممتع

ممتع حتى القلق

ولا يجعله يستمر بخطوات متسلسلة الا ذلك الدواء .. الذي يؤدي مشهد اللقطة الأخيرة لمسلسل الوهم .. والذي لا يبتعد عن معنى :

” يتبع عندما تصحو “

الأطياف صناعة طفلة بريئة

وماذا لو لم ينتظرك أحد ؟
ماذا لو لم تستطيع ان تعبر عن مشاعرك؟
بل ماذا لو لم تجد احدا يستمع إليك؟
ماذا لو انك لست حقيقيا.. بل ماذا لو انك مازلت نائما تحلم أن لك حياة كاملة.. وحقيقتك انك لست سوى طيف .. رغب أن يعيش حياة البشر.. ولم يستطع مخالطتهم او التحدث معهم.. بل يمر الجميع عبرك.. ألم تقتنع؟
ولكني احب تلك الفتاه.. ابتسمت لها وبادلتني الابتسام.. وهي تنظر ناحيتي.. ولم ارغب في احراجها امام رواد المقهى المزدحم..
اصبحت احد رواد هذا المقهى المزدحم.. كي اجلس في ذلك الركن الذي يجعلني انظر لها بوضوح..
وفي كل مره تتلاقى عينانا ونبتسم معا..

ايها المجنون.. انها لا تراك.. فأنت مجرد طيف غير مرئي..
ولكنها تبتسم لي وتتلاقى عينانا في كل مره.. كيف تجرؤ ان تصفني بالطيف.. وانا اعيش الحياه واعشق تلك الفتاه وهي تراني وتبتسم لي في كل مره..

منذ متى وانت تجلس في هذا المقهى ؟
منذ ان رأيتها اول مره.. منذ ثمانية عشر عاما..

يالك من مجنون.. ثمانية عشر عاما ولم تلاحظ انها لم تكبر او يتغير فستانها وتسريحة شعرها..
ماذا؟ فعلا.. ولكني اراها كل يوم.. ان كنت انا طيف.. فماذا تكون هي؟
يا أحمق.. انظر لنفسك في المرأه.. ألم تلاحظ شعرك الابيض؟
ألم تلاحظ انك تتقدم بالعمر بينما هي ماتزال كما هي منذ ان رأيتها اول مره منذ ثمانية عشر عاما؟

ماذا تقصد؟ ولماذا يتناقض كلامك؟
تصفني اني طيف.. ثم تقول اني اتقدم بالعمر بينما هي لا.. كيف ذلك؟

اووه.. حقيقة لا أرغب في أن تصطدم بواقعك.. ولكني مجبر على أن أجعلك تعي حقيقتك..
تعال معي.. سنجعل كل من في هذا المقهى المزدحم يختفون الآن..وسنذهب لمكان ستعرف فيه كل شي..
حسنا حسنا.. فضولي يدفعني أن أرى ماذا ستفعل..
ولكن انظر للفتاه انها تنظر الينا..
أين هي؟
تلك.. الجميله التي تجلس في اخر المقهى..
ذات الشعر الاسود الطويل.. هناك..
أين؟ اني لاأراها..
ولكن
تعال معي.. سنذهب اليها ونجلس معها..
ماذا؟ لا لا .. لن نذهب فأنا لاأريد ازعاجها..
يكفي انها سعيده.. الا تراها تبتسم؟
تعال.. هل هي تجلس هنا على هذا الكرسي؟
نعم.. ارجوك.. لا تحرجها..
لماذا تهمس في اذني.. لايوجد احد سوانا هنا
انظر..
لا لا ماذا تفعل؟ انك تسكب فنجان قهوتها.. ارجوك لننصرف..

ايها الطيف المجنون.. لو كانت فعلا تجلس على هذا الكرسي فبالتأكيد ستغضب..
ماذا ترى الآن؟ هل مازالت تبتسم؟
نعم.. مازالت تبتسم وتنظر لعيناي..

حسنا.. امسك يدها ..
ولكن..
لا..
انها تتلاشى من امامي.. لقد اختفت !
انظر حولك.. ماذا ترى؟
اين ذهب الجميع؟ لقد كان المكان مزدحما منذ لحظات..
هل اقتنعت الآن؟
لايوجد أحد.. كل المتواجدين هنا بمن فيهم فتاتك.. ليسوا سوى أطياف انت صنعتهم .. وتخيلتهم.. وأضعت من عمرك ثمانية عشر عاما.. في هذا الوهم الذي تلاشى في لحظات.

ارجوك.. لقد حطمت حياتي؟ كيف سأتصرف الآن؟ من أنا؟ هل أنا طيف فعلا؟ وماذا عن هذا المقهى وتلك الجميله؟
ان كنت انا طيفا فكيف لطيف ان يصنع اطيافا؟

سأقول لك شيئا؟ ارجو الا تنهار ..
تلك الفتاه.. هي من صنعتك ولست انت من صنعها..

ماذا؟ كيف تقول ذلك.. لقد اصبت بالجنون.. ولكن..
انتظر..
تعال معي.. سنذهب لمكان ستعرف فيه كل شيء..
فلنذهب.. ماذا سأخسر أكثر من تلاشي عالمي أمامي..
لنذهب ايها الغريب..
حسنا.. تعال معي.. لندخل من هنا..
هل ترى هذا الممر الطويل؟ هناك غرف في نهايته..
تعال معي..
ولكن.. ولكن.. انتظر.. لقد كنت هنا؟ اشعر اني اعرف هذا المكان..
حسنا.. لندخل هذه الغرفه.. ماذا ترى؟
كيف ذلك؟
انه أنا؟ هل انا ميت؟ لماذا كل هذه الاجهزه الطبيه التي تلتصق بي اقصد به؟
حسنا.. هذا حقيقة ليس أنت.. بل هذا طيف.. صنعه أنت الحقيقي.. واصيب بالغيبوبه منذ ثمانية عشر عاما..

اذن من أنا؟ انا طيف ولي طيف اخر وكلنا في مخيلة انا الحقيقي.. اين هو الحقيقي؟ وأين الفتاه؟
حسنا.. لننتقل وندخل الغرفه التي بجانب.ها..
ماذا ترى؟
لااا .. كيف ذلك؟ انها تلك الفتاه.. هل هي على قيد الحياة؟ انها ترقد تماما مثل طيفي؟ مالذي يحدث؟
حسنا.. هذه الفتاه مجرد طيف اصيب بغيبوبه منذ ثمانية عشر عاما.. تماما كطيفك..
ولكن من تلك التي في المقهى المزدحم؟
من هو الحقيقي ومن هو الطيف؟
هل تقصد ان الفتاه طيف لطيف في غيبوبه؟
نعم.. والفتاه الحقيقية تعيش في مكان اخر.. غير هذا العالم..
ولكني اعيش حياتي.. اذهب للمقهى واحتسي القهوه واشعر بجاذبية هذه الفتاه وهي تبتسم..
انا لا أفهم؟ ماذا سيحدث لي؟ ماهذا العالم الغريب؟
سأقول لك شيئا..
تعال معي.. انظر لهذه الطفلة..
انها مثلكم تماما.. اقصد انتم الذين صنعتكم الاطياف؟
من منا صنع الاخر؟ ومن هذه الطفله؟ وكيف حدث ذلك؟
انا لا أفهم..
حسنا حسنا فلتهدأ ايها الطيف.. انت لست سوى طيف في مخيلة تلك الفتاة النائمه في غيبوبه.. والتي صنعتك كي تكون مع طيفها حتى تفيق من غيبوتها.
حسنا.. انا لا أفهمك ولكن.. الطفله؟ لماذا هي هنا؟ وهل طيفها له طيف؟
الا تذكر تلك الطفله التي قتلت ممرضتك هنا في هذا المستشفى؟
نعم نعم .. اتذكر ذلك.. انه منذ زمن بعيد جدا..
ولكن كيف؟

سأختصر لك الحدث..
في احد الايام منذ ثمانية عشر عاما.. كانت الطفلة في مقهى مزدحم.. واصيبت بالاختناق وهي مع أمها.. وذهبت انت اليهم.. اقصد انت الحقيقي.. وحاولت مساعدتها.. وعندما هدأت حالتها.. ابتسمت لك.. وقدمت لها المثلجات فرحا بزوال حالة الاختناق التي عاشتها لحظات..
وعندما عدت انت الى مكانك.. قدمت أمها لك القهوه شكرا لك على مساعدتك..
وذهبت انت بعدها الى عملك..
وفي لحظة خروجك .. دخلت الفتاه..
وجلست في الزاوية الاخرى من المقهى..
واخذت الطفله تبتسم لها.. وابتسمت هي للطفله وارسلت لها قطعة حلوى كهديه لها واعجابا ببراءتها..
ثم اصيبت الطفلة بحالة الاختناق مره اخرى
ذهبت لها الفتاه تساعد امها على اعطاءها الدواء.. ثم هدأت حالها وابتسمت للفتاه وقالت لها شكرا..
اطمئنت الفتاه على الطفله وقالت لأمها ان احتجتي لاي مساعده فأنا أجلس هناك.
شكرت الأم الفتاه على مساعدتها .. واحتضنتها الطفله شكرا لها..
ورجعت الفتاه لمكانها..
وقامت الأم بارسال فنجان قهوه للفتاه تعبيرا عن شكرها
أومأت الفتاه برأسها شكرا للأم على ضيافتها..

حسنا.. هذا حدث عادي جدا.. كيف تحول لهذا الوهم الذي نعيشه ثمانية عشر عاما كما تقول؟
بل مادخل الأطياف.. وكيف اصيبوا بالغيبوبه؟ ولماذا؟
أنا! من أنا ولما أعيش هكذا.. وكيف يصنع لي حياة كامله ويتم القضاء عليها في لحظه كما فعلت انت؟؟

لن تفهم.. لأنك مجرد وهم في حلم طيف تلك الفتاه..
والذي هو حلم في مخيلة طيفك الحقيقي..

هل تعني اني انا الحقيقي يحلم؟
نعم
وهل تقصد ان طيفي أنا الحقيقي والذي يرقد في غيبوبه هو طيف في حلمي أنا الحقيقي؟
نعم
وهل تقصد أن طيف الفتاة الذي يرقد في غيبوبه هو من صنعني؟
لا..
طيفك الذي في غيبوبه هو من صنعك لتكمل المهمه عنه حتى يفيق..
وطيف الفتاه الذي يرقد في غيبوبه هو من صنع طيف الفتاه التي تراها في المقهى المزدحم طوال ثمانية عشر عاما..

اذن كيف قلت لي ان طيف الفتاه هو من صنعني؟
وانا كما تقول صنيعة طيفي النائم؟
انك تهذي ايها الغريب..

حسنا.. انا لم اتكلم عن الطفله.. فهي التي صنعت هذا العالم الذي تراه..
فأنت وطيفك وطيف الفتاه وطيفها الآخر.. لستم الا مجرد حلم في مخيلة طفله نائمه في بيتها تنتظر الصباح حتى تلتقي بكم!

يارجل.. انت تقول حلم..والحلم سيتلاشى عندما تصحى تلك الطفله من نومها.. اي انها مجرد ليله واحده .. فكيف اعيش انا ثمانية عشر عاما اتبادل الابتسام مع طيف لطيف الفتاه؟
بل ان كنا حلم في مخيلة الطفله..
فكيف يكون طيفي صنيعة طيفان.. احدهم طيفي الذي يرقد في غيبوبه.. واﻵخر هو طيف الفتاه الذي صنعه طيفها النائم في غيبوبه؟
حسنا…
حسنا..
سأتلاشى أنا الآن.. وستكمل انت وهم ماتريده الطفله في حلمها..
انتظر.. انتظر..

أريد عصيرا
أين العصير؟

( 1 )

الرحلة

في ظهيرة حارقة في اواخر يوليو كان جهاز التكييف يكافح جيوش الحراره العاتية حتى ظننت ان مكيف الهواء سيلفظ انفاسه .. فبينما كنت منهمكا في شئون سخيفة لاتتعدى محادثات شبكة الانترنت في عصرها الذهبي الوليد
وبعض وريقات عن الحالة المادية المتقولبة ..

تمت صناعة فكرة الهروب الى مكان اخر .. اي مكان .. يستطيع المرء فيه تبريد ماتبقى مما تحويه جمجمته .. وكانت الفكرة السفر الى احدى الدول الاوروبية .. الباردة ..

انها سلوفاكيا .. نعم إنها سلوفاكيا التي لا أعرف عنها شيئا سوى انها التوأم السيامي لجمهورية التشيك الذي تم فصلها بعملية الترويكا ..

حزمنا امتعتنا او هي حزمتنا .. وكانت المحصلة وجودنا في جوف طائره انطلقت بنا تمخر عباب السماء بشكل مرعب بسبب تلكم الاحاديث المرعبة التي تشبه قصص الرعب والجن في ليله شاتيه في خيمه بوسط الصحراء ..

تلك الرحلة التي استمرت خمسة عشر يوما كانت مغرقة بأحداث مشوقة .. جميلة .. اختلطت بطيف حزين يبعث على الضحك قبيل نهايتها .. واستمرت احداثها
في المخيلة يلوكها ماتبقى من تلك العصبونات التي كان التلف يفتك بها بصمت ..

كانت الطائرة تحمل بين اجنحتها مجموعة من المسافرين الذين ينشدون العلاج في المصحات الشهيرة التي تزخر بها هذه الدولة الفتية والتي تستجمع قواها بعد انفصالها عن التشيك شقيقتها السيامية ..

تضم الرحلة ممثل شهير وكبار في السن وشباب يعانون حالات متنوعه من الشلل واخرين للسياحة .. مجموعة شكلت صداقات مؤقته واخرى استمرت الى ما بعد الرحله ..

اربعه من الاصدقاء اثنان منهم هم محور الحدث الشائق في هذه الرحلة التي استمرت خمسة عشر يوما .. واستمرت ذكراها خمسة عشر عاما

بل مازالت عالقه في الاذهان .. على الاقل .. في ذهن كاتب هذه السطور ..

هبطت الطائرة في مطار العاصمة براتيسلافا ..
وانتشرت جموع الهابطين من السماء حول الطائرة في ظاهرة تجاوز عنها أمن المطار لدواعي إنسانية حيث ان القادمين أتوا من الجحيم ولم يقاوموا نعيم الارض الخضراء وقطرات المطر على رؤوسهم ..

قررنا ان نقيم الليلة في العاصمة لننتقل غدا الى تلك البقعة التي يقصدها راغبي العلاج الطبيعي وراغبي متعة الأجواء والمدعوه بيشتني !
تلك الليلة جبنا العاصمة براتسلافا مشيا على الاقدام لاستكشافها قبل الرحيل الى الارض الموعودة وتخلل مسيرتنا بعض من الرعب والكوميديا السوداء ..

… التدوينة القادمة

=====================

كنت هناك

لقد كنت هناك

بين تلك الأطياف المتوازيه … وذاك الشبح الماسي

قصه طويلة تكتب على خيط رفيع بين الجنون  والجنون

لم تأسرني فكره
مثلما أسرتني فكرة الهروب من واقع صنعته رغما عني

بحجم صدمتي بأن ما أراه وأقرأه وأشعر به وأعايشه طوال سنوات ماهو الا وهم بكل مايحويه هذا الوهم من شخوص وافكار واحداث

هاهو محارب الطواحين يدخل الى مستوى آخر بكل مايحمله من وهم وجنون وأطياف

بعيدا عن الواقعية
وبعيدا عن طواحين خاوية استهلكنا جهدنا في محاربتها

وخروجا من بوتقة الإدراك والمنطق

نكتب قصتنا الحقيقية

ونبدأ رحله لن تكتمل .. كسابقاتها

الدواء

ها انا وفناجين القهوة

كلما اشتقت لتلك الأوهام

حتى تلك الطفلة التي ألمحها تبكي

وهي تضم ركبتيها لرأسها

ولا تنظر إلي

وهي التي رافقتني في رحلتي الاخيرة

قبل أن اقتنع بتلك الاطياف

كم أود أن ترجع أوهامي