التقرير

عن المقاهي المزدحمة والقهوة والوهم والمرض والمطر والأطياف سأتحدث محاولا أن أضعك مكاني وأريد منك أن تجاريني وتتقمص الحالات التي سأسردها لك محاولا أن تتعايش مع كارثتي التي أعيشها كي تتفهم ما مررت به طوال تلك السنين حتى لحظة انهياري التي اتواجد هنا بسببها

وسأبدأ من حيث التقرير الطبي الأخير
والذي لم يكن مفاجئا بالرغم من أنه بالفعل مفاجيء ونتيجته كانت انهيارا اعمق من معاناة حياة مترنحة سنوات طويلة

فالاحساس بتطور المرض كان متوقعا بموازاة الأمل بأن الشعور بالمرض هو من نسيج الوهم الذي تعايشه وتقريع المحيطين بك بأنه نتيجة الفشل في إدارة حياتك وخوفك أن تكون روحا حبيسة داخل جسد لا يتحرك منه سوى عيناك وأن هذا الجسد المترنح يزاحم البشر في حيز الهواء الذي يتنفسونه

الاستسلام بعد قراءتك التقرير والشعور بحزن الطبيب المعالج وهو يبتسم ويدعوك لتكثيف جلسات العلاج
يجعل شريط حياتك يمر أمامك مختزلا سنوات طويلة بثواني معدودة تشعر أنها بعدد السنوات التي تمر أمامك والتي لا تتذكر منها سوى تلك الأطياف التي جعلت من واقعك الإفتراضي شيئا يستحق الحياة من أجله

في مقهى مزدحم وفنجان القهوة الذي يطلبه لك صديق اثناء التواجد معك في المقهى والذي جاملته بقبول ضيافته رغم كرهك الشديد للقهوة

فعندما يستأذن صديقك لاتمام مكالمة مهمة على الهاتف بعيدا عن ضوضاء المكان تسترق النظر لفنجان القهوة وتتساءل مالمميز في القهوة بالرغم من مرارتها

تقف أمامك فتاة جميلة ممسكه بيد طفلة صغيرة
فتنظر إليهما متسائلا هل استطيع خدمتكم بشيء؟
فيبدأ جسد الفتاة يهتز أمامك حتى تكاد تسقط فتمد يداك محاولا الامساك بها فتتناثر قهوتك على ملابسك ولا تبالي سوى بمساعدة هذه الفتاة .. تجلسها على الكرسي بجانبك وتسأل الطفلة مم تعاني اختك فتضحك الطفلة ضحكة طفولية وتقفز في حضنك وتهمس في أذنك أنها ليست اختها وانها لا تعاني من شيء سوى انها لا تريد ان تتلاشى وتختفي الان

يصيبك كلامها بحالة فزع فهي تتحدث وكأنها ليست طفلة صغيرة .. فتحاول ابعادها فهي تقيدك وهي تحيطك بذراعيها الصغيرتين عن نجدة الفتاة وسرعان ما تقف وتمسك بيد الطفلة وهي تقول سنذهب الان ولا تعلم هل هي توجه كلامها لك أم للطفلة

ولا تزال في حالة الذهول محاولا استيعاب مايحدث فتقول للفتاة توقفي من انتي ومالذي حدث لك وكيف وقفت برغم انك كنت تعجزين عن الوقوف منذ لحظات

فترد عليك وهي تحمل تلك النظرة التي تشعر بسهامها تهز كل ماتحمله في داخلك .. لا عليك يوما ما ستفهم كل شيء ولكن يجب ان نذهب الان .. تقف محاولا ثنيها عن الذهاب ولا تعلم لماذا تريدها ان تبقى بعض الوقت
تبتسم لك الطفلة وتشير للفتاة فيبتعدان وعيناهما تجاهك حتى يتلاشى جسداهما من أمامك

تلتفت يمينا ويسارا لمن حولك عل احد المتواجدين يشرح لك ما رٱه .. وتتفاجأ بأن كل المتواجدين لم يلفت انتباههم شيء ولم ينظر إليك أحد .. فتنظر لملابسك ولا ترى عليها أثر من القهوة .. كيف ذلك فقد تناثرت القهوة من يدك عندما كنت تحاول الامساك بالفتاة قبل أن تقع .. تنظر واذا فنجان القهوة لايزال على الطاولة ولم تكن شربت منه سوى القليل

تصاب بحالة صدمة واحساس مظلم بأنك لست على مايرام
يرجع صديقك معتذرا عن تأخره ويطلب فنجانين من القهوة ويبدأ باكمال حديثكم قبل ان يبتعد عن المقهى .. وأنت في حالة صمت وشرود .. ويأخذ ينظر إليك باستغراب ..

عندما حضرت القهوة تناولت فنجانك الاول وشربته برشفه واحده وطلبت فنجانا اخر .. وصديقك ينبهك ان القهوة حضرت فتقول اريد ايضا فنجانا اضافيا .. تشرب الفنجان وهو ساخن وتتململ انتظارا لقهوتك الجديدة .. فيقول مابك .. منذ متى تحب القهوة .. ترد عليه منذ اللحظه .. مالذي حدث لك انت لست الصديق الذي اعرفه كنت تكره القهوة والان تطلبها وكانك تدمن عليها منذ زمن طويل كما انك تبدو لست على مايرام .. مالذي حدث خلال الخمسة دقائق التي غبت فيها عنك؟

شربت فنجانك الثاني وحضر الثالث فأمطرت صديقك بما حدث لك وطلبت فنجانا رابعا وانت تتحدث وهو يحدق في ملامحك ويقول يبدو ان حياتك تحوي الكثير من الضغوط اللي لا اعلم عنها ولكن لا عليك الا ان تريح اعصابك وتجد لك متنفسا في احدى الدول البعيدة كي تستعيد عافيتك بعيدا عن هذه الاجواء الصيفية الساخنه

وعندما عدت لمنزلك واستلقيت على سريرك محدقا في سقف غرفتك .. تبدأ يفاجؤك الشعور باختناق وحالة من الذعر الشديد فتزداد نبضات قلبك ويبدأ جسدك بالتعرق برغم برودة غرفتك المكيفة
تنهض فزعا وكأنك تتشبث بالحياة وكأنك تحاول ان تشعر بانك على مايرام وكأنك تحاول ابعاد شبح انهيارك .. تصب ماءا باردا على رأسك لعل احساسك بالصقيع تحت التكييف يشغلك عن مراقبة جسدك وهو يذبل ..

تريد ان تفتح التلفاز لعلك تنشغل بنشرات الاخبار وتنسى حالة الرعب التي تشعر بها .. تضرب خدك تارة وتضغط على اسنانك التي كانت تؤلمك لعل الالم يزداد بقوة وتنشغل به .. تمد يدك باحثا عن جهاز تشغيل التلفاز ولا تجده بالرغم من مكانه الذي لايبارحه منذ زمن طويل وتفاجأت بأنه في يدك .. تقاوم كل ما تشعر به وتضغط على زر التشغيل الذي تعرف مكانه جيدا دون ان تنظر .. فترى مذيع نشرة الاخبار في سقف غرفتك .. تميل برأسك وأنت تحدث نفسك بأن ما تراه ليس سوى حالة مؤقتة بسبب الاجهاد من الحر الشديد عندما كنت في الخارج وقت الظهيرة

تبدأ شاشة التلفاز تهتز وتتمايل فتتحدث وكأن شخص اخر تحاول اقناعه بان مايحدث ليس سوى حالة من الوهم .. تبدأ انفاسك بالهدوء وضربات قلبك تبدأ بالعودة لطبيعتها فتقوم تريد صنع فنجان قهوة والتي لم تكن تحبها .. فتتفاجأ بانك لا تستطيع النهوض وكأن شيئا يجثم على صدرك تقاوم بعنف فتقف مترنحا ولا تشعر بقدماك على الارض وكانك تسبح في الهواء وكانك ترتفع عن الارض فتجلس بجانب السرير وركبتاك تسندان رأسك وكأنك طفل حزين يجلس في زاوية غرفته محاولا لفت الانتباه بأنه لم يحصل على الحلوى التي يرغبها بشدة

تسترجع شريط الاحداث في هذا اليوم عندما خرجت من العمل وذهبت مع صديقك الذي دعاك لاحد المقاهي المزدحمة .. وتلك الفتاة التي تلاشت كالشبح وتلك الطفلة التي تشعرك بأن هناك شيئا ما بانتظارك

ثم كيف بدأت تشرب القهوة بعدما كنت تنفر منها دونا عن تناولها وعودتك وماشعرت به من عدم احساسك بجسدك وتسارع نبضات قلبك وتعرقك ووخز الابر في كل اجزاء جسدك وذلك المذيع الذي ظهر في سقف الغرفة .. وتتساءل مالذي يحدث لك؟

تذهب الى الطبيب لعله يعلم مايحدث ويعرف علاجا سريعا لما تعانيه .. عندما وقفت امامه سألك عما تعاني فقلت له بأنك لا تستطيع التنفس ولا تشعر بقدماك على الارض يبتسم وهو يسألك هل تدخن؟ توميء برأسك فيقول مايحدث هو بسبب التدخين لم يقنعنك تحليله فقلت له انك غير قادر على التنفس ويغيظك بقوله ها انت تحدثني وتتنفس والهواء حولنا .. فما يحدث لك هو نتيجة الاجهاد والقلق والتدخين وسأعطيك دواء منوما حتى لا تشعر بالقلق والارق

ترجع الى غرفتك وتلتهم الادويه المنومه وتذهب في نوم عميق
فتسمع صوت الفتاة والطفلة .. تقول لها انك مستغرق في النوم .. فتسألها الطفلة ماذا سنفعل .. ماذا ان كان يعيش في الظلام الٱن .. ماذا سنفعل .. فترد عليها .. سنراقبه من بعيد .. فتسألها .. ثم ماذا؟ .. ثم سنجعل حياته شيئا ٱخر شيئا جميلا .. حياة يتمناها .. فنحن نعلم مم يعاني ومالذي حدث بسببنا منذ سنوات طويلة .. سنقوم برد ماسلب منه رغما عنه .. ولكن كيف .. لا أعلم .. سنسير معه وسنتعايش معه لحظة بلحظة

 

فكرتان اثنتان على ”التقرير

  1. وأنا أقرأ أحرفك أحسست بشعورك أو لربما جزء من شعورك
    كأنك تخوض حربا مع مجهول ورغم هذا لم ترفع راية الاستسلام وأضاءت قناديل الأمل رغم محاولة اليأس من التغلغل داخلك لازلت تحاول التشبث بالأمل لازلت قويا لتحيا بشكل لائق بك
    المرض لا يعني النهاية أبدا
    فكن قويا مهما حصل لك
    تذكر دائما (الله على كل شيء قدير )

نتشرف باضافة تعليقك