نفس عميق

نفس عميق غيّر حالة من الوهم الذي حضرت إلى هذه القاعة كي أقضي عليه إلى حالة من الوهم أعمق وأكثر واقعية ، فحياتي الإفتراضية بعد هذا النفس العميق لم تكن سوى إستكمالا للوهم الذي أعايشه
تعلمت عن تلك الهمسة كل شيء
الهمسة التي ما إن يتم استدعائها
حتى تسحبني من الوهم الى الحياة الواقعية
ولكني لم أستدعها بل توهمت أني لا أعرف عنها شيئا
فقد أشفقت على تلك الأطياف التي أعايشها
واتخذت القرار بأن أبقى معها
نجوب العالم بلا حدود مادية
نفس عميق
لم تكن مجرد دورة تدريبية عن تغيير الواقع الفعلي بصناعة واقع خيالي مؤقت
جلسنا في قاعة التدريب
نتدرب فيها على طريقة الوصول لمرحلة السكينه القصوى
حتى نتعودها ونستدعيها بلمح البصر متى ماداهمتنا مدلهمات الحياة
كانت الجلسه صعبه في أولها
فقد كنت في حيرة كيف أتخيل شيئا جميلا من حياتي التي عشتها حسب طلب أستاذنا المدرب
عندما رآني بهذه الحالة من التشتت وقف جانبي وقال لي: تخيل اللحظات السعيدة يوم تخرجك وتهنئة أصدقاءك وأساتذتك لك في هذا اليوم
وتقمص مشاعر البهجة في قمتها
إستحضر هذا الحدث بكل مشاعرك وأغمض عيناك وابدأ التدريب
قلت له: أنا تخرجت من المتفوقين ونلت مرتبة الشرف وتم تكريمي من قبل علية القوم
ولكني لا أستحضر أي مظهر من مظاهر البهجه في ذاك اليوم
سألني باستغراب: كيف؟
قلت: كنت مشغول البال طوال الحفل بسبب وصولي متأخرا
فلم أجد مكانا لسيارتي أمام مسرح الجامعة سوى مكان واحد وهو محرم بأمر رجال الأمن لظروف حماية الشخصيات المتواجدة في الحفل
فما ان إنتهى الحفل بعد توزيع شهادات التخرج
حتى انطلقت مسرعا اليها
أستاذ ، حفل تخرجي كمتفوق هو في حقيقته حالة من القلق وليس مبهجا
فبينما زملائي يرمون قبعات التخرج إلى السماء ويلتقطون الصور التذكارية
كنت أنا أبحث عن سيارتي قبل أن تقع فريسة في يد شرطي مرور
هنا سكت أستاذي .. ونظر الى ساعته .. وقال لي:
قصتك محزنهة وسردك لها جعلني أستمع بحزن ولم أنتبه للوقت
فقد إنتهت فترة التدريب الأولى
نكمل ان شاءالله بعد الاستراحة
لأشرح لك كيف تكذب على نفسك!
عدنا من الإستراحة وشرع مدربنا بتعليمنا كيف نصنع حدثا خياليا ونتقمص لحظة السعادة القصوى فيه
بعد إستفتاحه بهذه الجمله انهالت عليه الأسئلة والإستفسارات كان جل المستفتين هم من الشباب
بينما آثرت الفتيات الصمت بل جعل الشباب محور الدورة التدريبية في شك وتندر بأن جل حياة الفتيات هي في حقيقتها خيااال
سأل معلمنا من منكم يستحضر مظاهر الفرح عندما نال شهادته الدراسية ولم يرفع أحد يده
إستغرب وسأل الأول فبادره بأنه ناجح بتقدير مقبول وأيده الثاني والثالث إحتار المدرب وتمتم بصوت عال
كيف لهذا المجتمع أن يرتقي وهو لايملك ذكرى سعيدة
أجبناه بصوت واحد :
لهذا نحن هنا حتى نتخيل حياة سعيدة
تلك الإجابة الجماعية كادت ان تتحول إلى حالة شغب ساخر ، لولا أن إستدرك المدرب وقال إنكم هنا كي تتعلموا صناعة حياة سعيدة
أثار أحدهم نقطة نقاش إستمرت حتى نهاية الدورة التدريبية التي استمرت مايقارب الاسبوع
والتي إستنزفت أموالنا وعقولنا طوال سنوات بعدها
بلا نتيجة ملموسة
بدأ زميلنا متسائلا : إن كان الكل يستطيع أن يعيش في قمة السعادة والطمأنينة كما تروج أنت وآخرين من المروجين لهذا العلم الوليد
فلماذا نرى الحروب والأمراض النفسية وتدني مستويات التعليم والصحة ناهيك عن تذبذب الثقة بالنفس عند كثير من شباب جيلنا بل والأجيال التي سبقتنا
كانت إجابة أستاذنا المحاضر سريعة وملجمة للتفكير
قال أنت أجبت عن تساؤلاتك بأن هذا العلم وليد
وانه لم ينتشر فكما قضت الأمم على أمية القراءة والكتابة فنحن هنا كي نقضي على أمية معرفة الذات
سنتدرب على الوصول لمرحلة الهدوء والسكينة القصوى ونتعلم المباديء وكافة الطرق والتي تجعلنا ندخل هذا العالم في أقل من عشرة دقائق
ثم نقوم في اليومين اللذان يسبقان نهاية الدورة بتدريبكم كل على حدة ليتخلص من قلقه
ثم في اليوم الأخير
نجعل لأحدكم حياة إفتراضية
لم أكن أعلم أن الاختيار سيكون علي أنا تحديدا
في اليوم الأخير
تم إختياري لصعود منصة الإيحاء
اتجهت للمنصة تحت صيحات الفتيات وتصفيق الشباب وكلمات التشجيع المعنوي التي ضجت بها قاعة التدريب
وقفت أنظر للحضور بإبتسامة ترجوهم أن لايحرجوني
هدأت القاعة وتم خفض الإضاءة
وأصبحتُ لا أسمع سوى نبضات قلبي
وصوت معلمي وهو يقول لي إجلس وأغمض عيناك
وطبق ماتعلمته للدخول في مرحلة السكينة القصوى
وسأقوم بعدها باستكشاف ماتراه وتشعر به
فلنبدأ
بدأت بالتنفس بتلك الطريقة التي تحتار بها الشياطين
نفس عميق ثم الوصول لمرحلة الاختناق بكتم الأنفاس ثم
يليها ذاك الزفير البطيء الذي يخيل لي أن رئتاي التصقتا
بظهري
هكذا دأبي طيلة عشرة دقائق والتي أنتجت روحا مترنحة بين جنبات سجن مليء بالأوهام
طيلة العشرة سنوات التي تلتها
كان نفسا عميقا سحبته من هواء القاعة والذي يحوي كل مشاعر الحضور وذبذبات عقولهم وطاقات أرواحهم
ضاغطا على صدري الذي تقلص حتى أعاق نبضات قلبي السريعة التي عاصرتها سنوات طوالثم دخلت بإرادتي الى المرحلة التي تسبق الموت كاتما أنفاسي محتضرا وأخرجته ببطء وبغاية الهدوء متذوقا حلاوة الروح بعودتي للحياة
أنفاس عميقة إختناق وزفير حذر
حتى تغير إحساسي بالعالم من حولي
ورغبت بعدم الخروج من هذه المتعة المؤلمة
كان أن بادرني بهمسات كهمسات الشياطين
أنك الآن في غاية الهدوء والصفاء الروحي
إختر لنفسك مكانا جميلا
إبدأ بالإستماع لكل تلك الأصوات في ذلك المكان الذي تحبه واجعل مشاعرك متناغمة مع هذا الجمال
حاول أن تجول بناظريك في أرجاء المكان
إن لم تعرف مكانا جميلا فتخيل
ضع جسدك في ذلك المكان الذي قد تكون رأيته في أحد الأفلام أو سمعت أو قرأت عنه
هاقد فتحت لك البوابة
أدخل .. ماذا ترى؟
تكلم لنسمعك
ولا تخشى زوال هذه المتعة الخيالية وأنت تتحدث..
فكلما تكلمت كلما ازداد المكان جمالا
وترسخت متعة الصفاء الذهني الخالي من القلق
بماذا تشعر؟
ماذا تسمع؟
ماذا ترى؟
سنجلس أمامك بهدوء نستمع إليك
أنا .. أنا أشعر أن هذا المكان قد زرته من قبل .. ولكني لم أذهب إليه في حياتي
انه مكان جميل جدا .. تحيطه المقاهي المزدحمة
هناك حديقة من الأزهار الجميلة .. إني أشم عبيرها
أسمع صوت طفلة تقول : لقد عاد الشبح
وصوت آخر يرد عليها .. بالفعل
لقد عاد بعد غياب خمس سنوات
من هي الطفلة
ومن هو صاحب الصوت الآخر؟
نريد أن نسمع منك التفاصيل
فنحن متلهفون جدا لسماع ماتراه وتسمعه بل وتشعر به
(للنفس العميق.. بقية)

نتشرف باضافة تعليقك